إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

395

الإعتصام

وجعل عمر يجيء بالشيء يخالف فيه القاسم - قال - وجعل القاسم يشق ذلك عليه حتى بين فيه فقال له عمر لا تفعل فما يسرني باختلافهم حمر النعم وروى ابن وهب عن القاسم أيضا قال لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز ما أحب أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يختلفون لأنه لو كان قولا واحدا لكان الناس في ضيق وإنهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان سنة ومعنى هذا أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد وجواز الاختلاف فيه لأنهم لو لم يفتحوه لكان المجتهدون في ضيق لأن مجال الاجتهاد ومجالات الظنون لا تتفق عادة - كما تقدم - فيصير أهل الاجتهاد مع تكليفهم باتباع ما غلب على ظنونهم مكلفين باتباع خلافهم وهو نوع من تكليف مالا يطاق وذلك من أعظم الضيق فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم فكان فتح باب للأمة للدخول في هذه الرحمة فكيف لا يدخلون في قسم من رحم ربك فاختلافهم في الفروع كاتفاقهم فيها والحمد لله وبين هذين الطريقين واسطة أدنى من الرتبة الأولى وأعلى من الرتبة الثانية وهي أن يقع الاتفاق في أصل الدين ويقع الاختلاف في بعض قواعده الكلية وهو المؤدى إلى التفرق شيعا فيمكن أن تكون الآية تنتظم هذا القسم من الاختلاف ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم أن أمته تفترق على بضع وسبعين فرقة وأخبر أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع وشمل ذلك الاختلاف الواقع في الأمم قبلنا ويرشحه وصف أهل البدع بالضلالة وإيعادهم بالنار وذلك بعيد من تمام الرحمة ولقد كان عليه الصلاة والسلام حريصا على ألفتنا وهدايتنا حتى ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لما حضر النبي صلى الله عليه وسم قال - وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب رضى لله عنهم - فقال هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده فقال عمر إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول كما قال عمر فما كثر اللغط والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال :